النشرة البيئية لوكالة الأنباء الاردنية
بدعم من الشيخة فاطمة / الإمارات تُرمم “الجامع الأموي” حفاظاً على التراث العربي والإسلامي
إطلاق الرباط عاصمة للإعلام العربي 2026تكريس لمكانتها الحضارية واعتراف بثقلها الإعلامي
خطابي: في اليوم العالمي لحرية الصحافة ضرورة ضمان بيئة اعلامية تعددية تسهم في تنوير الرأي العالم
غزة 30-5-2026 وفا- ريم سويسي لم تكن الرضيعة سلام تعلم أن ثمن علاج شقيقها الأكبر أحمد، المصاب بمرض الهيموفيليا (سيولة الدم)، سيكون حرمانها من أمها. فحين سُمح لأحمد بالسفر لتلقي العلاج، منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي سلام من مرافقة والدتها التي كانت ترافق ابنها المريض، رغم حاجتها الطبيعية إلى البقاء إلى جانب أمها في هذا العمر المبكر. وبينما غادرت الأم برفقة أحمد في رحلة العلاج، عادت سلام مع والدها وحيدة، محرومة من حضن أمها ودفء صدرها، في مرحلة لا يعرف الطفل فيها من الأمان سوى قرب والدته. لم ترتكب سلام ذنباً، ولم تختر الظروف التي وُلدت فيها، لكنها وجدت نفسها تدفع ثمن قيود حرمتها من أبسط حقوقها الإنسانية. إنها قصة رضيعة تواجه قسوة الفراق قبل أن تتعلم الكلام، وتعيش حرماناً لا ينبغي لأي طفل أن يختبره، فقط لأنها وُلدت في غزة، حيث تتحكم إجراءات الاحتلال في أدق تفاصيل حياة الناس، وحتى في حق الأطفال بالبقاء إلى جانب أمهاتهم. الطفلة سلام (عام ونصف) تتواجد في غزة، بينما والدتها تتواجد حالياً في مصر. وتتمحور المعاناة في أن سلام لا تعرف أمها التي تركتها وهي بعمر 15 يوماً فقط، والسبب الحصار المفروض على السفر من وإلى قطاع غزة بقيود حديدية لا تأبه للبشر. خياران أحلاهما مر يقول والد الطفلة سلام، معتز أحمد (44 عاماً): “حصلنا على تحويلة طبية لعلاج أحمد (16 عاماً) عبر منظمة الصحة العالمية بتاريخ الأول من شباط من العام الماضي، وحينما تم تسجيل والدة سلام كمرافقة كانت حاملاً بسلام”. ويضيف: “يوم السفر كانت سلام تبلغ من العمر 15 يوماً فقط، فتواصلنا مع منظمة الصحة العالمية لإخبارهم بضرورة إرفاق سلام مع والدتها كونها لا تزال رضيعة، فكان الرد أنه لا مشكلة في ذلك، وتم إرفاق اسم سلام. إلى هنا كانت الأمور تسير على ما يرام”. ويكمل حديثه: “في يوم السفر حدث ما لم نتوقعه، إذ رفض الاحتلال خروج سلام مع والدتها للسفر بحجة أن التنسيق لا يشملها. وهنا وضعوني بين خيارين أحلاهما مر: إما أن يعود الجميع، والدة سلام والمريض، وإما أن تعود سلام إلى غزة وحدها. كان الأمر صعباً ومحيراً للغاية، لكنني في النهاية قررت أن تعود سلام معي لأضمن علاج ابني المريض”. ويضيف: “بعد سير الباص مسافة، اتصلت بي زوجتي تبكي وتقول إنها قررت العودة إلى غزة، لكن سائق الباص أخبرها بأن الأمر أصبح متأخراً جداً، فالجانب الإسرائيلي لا يسمح بالعودة بعد اجتياز الحاجز العسكري. وهنا بدأت المعاناة لأب يضطر لرعاية طفلته دون أمها، ولأم ينفطر قلبها على رضيعتها التي تحتاجها”. ويشار إلى أن أحمد، شقيق سلام، مصاب بمرض الهيموفيليا، والذي بسببه يحتاج إلى عملية في الركبة، حيث إن المرض جعله قعيداً لا يمشي على قدميه. ويتابع والدها: “سلام تبلغ اليوم عاماً ونصف العام، وهي لا تعرف أمها، ولا حتى تتفاعل معها عبر الإنترنت، فهي لا تعرف سوى جدتها، والدة أمها، وأنا”. وبسبب انشغال الأب، يضطر أحمد إلى ترك طفلته عند جدتها وزيارتها مرة أسبوعياً، وهكذا أضحت سلام بلا أم ولا أب، رغم أنهما على قيد الحياة. لم يكن وضع الأم، هنية حامد (33 عاماً)، أفضل حالاً، فقد فارقت فلذة كبدها ولا تعلم كم ستكون المدة التي ستقضيها بعيداً عن رضيعتها. وحول هذه المعاناة تقول هنية: “خرجت بأطفالي الخمسة للعلاج في الخارج، بما فيهم سلام، لكن الاحتلال رفض أن تكون سلام معنا بحجة أن التنسيق لا يشملها. عشت أقسى أنواع القهر والألم وكسر الخاطر حين اضطررت للرضوخ وترك سلام وحدها مع أبيها، بينما كانت قطعة من اللحم تحتاج صدري وقلبي معا”. وتضيف: “عاملنا جيش الاحتلال بلا ضمير ولا إنسانية. توسلت لهم كثيرا أن يسمحوا لي باصطحاب رضيعتي، لكن دون جدوى. يعلم الله كيف كان وقع القرار على نفسيتي وأنا أترك مولودة عمرها أيام لا ذنب لها”. وتبكي بحرقة وتقول: “مرضت شهرين جراء هذا البعد، خاصة في فترة الفطام، الأمر الذي استدعى ذهابي إلى طبيب نفسي. عشت على المنومات والمهدئات”. أما المشهد الأقسى فهو ما يحدث حالياً حين تتواصل هنية مع طفلتها عبر الإنترنت، وتقول: “أبكي كثيرا حين أرى سلام عبر كاميرا الهاتف المحمول، وما يؤلمني أنها لا تتفاعل معي ولا تعرف أني أمها”. وتضيف: “بت أكره التواصل معها، لأني في كل مرة أتحدث إليها عبر الهاتف تترك الشاشة وتركض إلى حضن جدتها، وهو أمر يتعب نفسيتي جدا”. وتختم حديثها بالقول: “متى سأعود إلى غزة كي أحتضن طفلتي؟ لم أعد أفكر في علاج ابني بقدر ما أفكر في احتضان طفلتي التي أضحت لا تعرفني”. يشار إلى أن مرض الهيموفيليا هو اضطراب نزيف وراثي نادر يمنع الدم من التجلط بشكل صحيح، ويحدث نتيجة نقص أو غياب بروتينات تسمى “عوامل التجلط” في الدم، ما يجعل المصاب ينزف لفترة أطول بعد الجروح. وتعيش الطفلة سلام حالياً مع جدتها في منزلها بمخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وهو منزل آيل للسقوط نتيجة القصف الإسرائيلي. وكانت قد نزحت برفقة جدتها إلى جنوب قطاع غزة في النزوح الثاني خلال شهر أغسطس من العام الماضي. تعلق آلاء عطا الله، أخصائية نفسية واجتماعية، على الأمر بقولها: “ما يحدث مع الطفلة طبيعي جداً، حيث إن السنوات الأربع الأولى من عمر الطفل تشكل شخصيته. وهي حالياً لا تتفاعل مع أمها بسبب غياب الحضن والتواصل البصري، وهما وسيلتا التواصل الأساسيتان في هذه المرحلة. وبما أن الأم ليست موجودة بصريا في حياة الطفل، فهي بالتالي لا تميزها”. وتضيف: “في حال عودة الأم سيكون التواصل صعبا خلال الأسبوعين الأولين، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها. سيكون هناك رفض في البداية، ما سيؤثر سلباً على الأم، لكن بعد ذلك تصبح الأمور طبيعية”. هكذا تسبب إغلاق معبر رفح البري بمئات، بل آلاف، المشكلات الاجتماعية التي يدفع ثمنها الغزيون. ووفقاً لإحصائية سفارة فلسطين لدى الجمهورية المصرية، فإن هناك 150 ألف مواطن غزي يتواجدون في الأراضي المصرية، بينهم أعداد كبيرة سجلت بياناتها من أجل العودة إلى غزة. ويشار إلى أن معبر رفح البري يفتح بأعداد محدودة جداً وضمن شروط صارمة، فيما أفاد عائدون بتعرضهم لمعاملة حاطة بالكرامة من قبل الجيش الإسرائيلي المتواجد في المعبر. وكان الجيش الإسرائيلي قد أغلق معبر رفح في أيار/مايو 2024، قبل أن يعاد فتحه ضمن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ مطلع تشرين الأول الماضي. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر 21 ألف طفل استشهدوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها الأطفال في قطاع غزة. ـــ /م.ب