عمان في 17 يونيو /قنا/ أجمع سياسيون ومحللون أردنيون على أن الاتفاق المرتقب توقيعه بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في جنيف يمثل منعطفا سياسيا ودبلوماسيا بالغ الأهمية في تاريخ المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التهدئة وإعادة بناء الثقة بين القوى الفاعلة إقليميا ودوليا، مؤكدين أن الدور المحوري الذي اضطلعت به دولة قطر في تقريب وجهات النظر وتهيئة الأرضية المناسبة لإنجاح المفاوضات يعكس المكانة المتقدمة التي باتت تحظى بها الدوحة كأحد أبرز الوسطاء الدوليين وأكثرهم قدرة على إدارة الملفات المعقدة.
وأكد المحللون، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية “قنا”، أن أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في طبيعة القضايا التي يتناولها أو في الأطراف المنخرطة فيه، بل في كونه يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن الدبلوماسية والحوار ما زالا يشكلان الخيار الأكثر فاعلية لمعالجة الأزمات الدولية وتجنب الانزلاق نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، خاصة في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثرا بالتجاذبات السياسية والأمنية.
وأشاروا إلى أن نجاح الجهود القطرية في تقريب المواقف بين واشنطن وطهران يعكس رصيدا متراكما من الثقة والمصداقية التي بنتها الدوحة على مدار سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي الهادئ، وهو ما مكنها من لعب أدوار محورية في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، ورسخ صورتها كشريك موثوق وقادر على بناء الجسور بين الأطراف المتباينة وتحويل الأزمات إلى فرص للحوار والتفاهم.
فمن جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية الدكتور جمال الشلبي، إن الاتفاق بين واشنطن وطهران يعكس نجاحا دبلوماسيا لافتا لدولة قطر، ويؤكد أن تأثير الدول يقاس بقدرتها على بناء الثقة وتوظيف أدواتها السياسية والدبلوماسية بكفاءة وفاعلية.
وأضاف أن قطر نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ نموذج دبلوماسي قائم على الحوار والانفتاح والبحث عن الحلول السلمية، وهو ما منحها احتراما واسعا لدى مختلف الأطراف الدولية وجعلها وجهة مفضلة للوساطات والجهود الرامية إلى تسوية النزاعات.
وأوضح الشلبي أن نجاح الوساطة القطرية في هذا الملف جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتكاملة، في مقدمتها الإرادة السياسية الواضحة التي تتبناها الدوحة في دعم جهود السلام، والخبرة المتراكمة التي اكتسبتها من خلال مشاركتها في عدد من الملفات الدولية المعقدة، إضافة إلى شبكة
العلاقات الدولية الواسعة التي تربطها بمختلف القوى الفاعلة على الساحة العالمية.
وأكد أن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن ترسخ حضورها كلاعب موثوق يحظى بثقة جميع الأطراف، وهو ما مكنها من التحرك بمرونة وفاعلية في بيئات سياسية شديدة التعقيد، مشيرا إلى أن نجاحها في تقريب المواقف بين واشنطن وطهران يضاف إلى سجل حافل من المبادرات التي أسهمت في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، أكد المحلل السياسي الأردني ومستشار حقوق الإنسان الدكتور رياض الصبح، أن اتفاق جنيف المرتقب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم سياسي عابر أو تسوية مؤقتة بين طرفين متخاصمين، بل باعتباره خطوة استراتيجية يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
وقال الدكتور رياض الصبح لـ “قنا”، إن المنطقة عانت لعقود طويلة من تداعيات التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي انعكس على العديد من الملفات الإقليمية وأثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار وفرص التنمية الاقتصادية، مشيرا إلى أن أي تقدم في مسار العلاقة بين الطرفين ستكون له انعكاسات إيجابية تتجاوز حدود البلدين لتشمل مجمل الإقليم.
وأضاف أن الاتفاق يكتسب أهمية استثنائية لأنه يأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحديات متشابكة وتطورات متسارعة تتطلب قدرا أكبر من التنسيق والحوار وتغليب المصالح المشتركة، لافتا إلى أن نجاحه قد يفتح الباب أمام معالجة ملفات أخرى عالقة ويعزز فرص بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
وشدد الدكتور الصبح على أن الدور القطري كان عاملا حاسما في تهيئة الظروف اللازمة لإنجاح المفاوضات، موضحا أن الدوحة استطاعت بفضل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف وخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات أن تخلق مناخا من الثقة المتبادلة أسهم في تقريب وجهات النظر وتجاوز الكثير من العقبات التي عطلت التوصل إلى تفاهمات خلال السنوات الماضية.
بدوره، أكد البرلماني الأردني السابق الدكتور محمد العكور، أن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تطورا مهما في مسار إدارة الأزمات الإقليمية، ويعكس قناعة متزايدة لدى الأطراف الدولية بأن الحوار والدبلوماسية يظلان الخيار الأكثر فاعلية لمعالجة القضايا المعقدة وتجنب تداعيات التصعيد على أمن المنطقة واستقرارها.
وأضاف العكور لـ “قنا” أن ما يميز هذا الاتفاق هو أنه يأتي في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، الأمر الذي يمنحه أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وطهران ليصبح مؤشرا على إمكانية بناء مقاربات جديدة قائمة على التفاهم والتفاوض بدلا من المواجهة، مشيرة إلى أن نجاح الاتفاق قد يسهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية ويفتح المجال أمام معالجة ملفات أخرى ذات أولوية بالنسبة لدول المنطقة.
وأكد العكور أن الدور الذي قامت به دولة قطر خلال مسار المفاوضات يعكس نضجا دبلوماسيا لافتا وقدرة على بناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة، موضحا أن الدوحة نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ مكانتها كوسيط موثوق يتمتع بعلاقات متوازنة ومصداقية عالية لدى مختلف القوى الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن نجاح الوساطة القطرية في تقريب وجهات النظر بين الجانبين الأمريكي والإيراني يضاف إلى سجل متراكم من الجهود القطرية الرامية إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص التسوية السلمية للنزاعات، مؤكدا أن هذا النهج يعكس رؤية استراتيجية تقوم على الاستثمار في الحوار والدبلوماسية الوقائية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق الأمن والتنمية.
وشدد الدكتور العكور على أن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة مهمة لتحويل هذا التفاهم إلى مسار مستدام يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتعاون الاقتصادي والسياسي، بما ينعكس إيجابا على شعوب المنطقة وتطلعاتها نحو التنمية والازدهار.
واختتم المحللون الأردنيون تصريحاتهم لـ “قنا” بالتأكيد على أن اتفاق جنيف المرتقب يحمل أبعادا تتجاوز الإطار الثنائي للعلاقات الأمريكية الإيرانية، ليشكل رسالة أمل للمنطقة والعالم بأن الحوار والدبلوماسية لا يزالان قادران على تحقيق اختراقات سياسية كبرى، مشددين على أن الدور القطري في إنجاح هذا المسار يعزز مكانة الدوحة باعتبارها مركزا دوليا للحوار ووسيطا موثوقا في جهود صناعة السلام وترسيخ الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.