مسقط في 27 أكتوبر
2026 /العُمانية/ يرى الباحث والمؤلف الشاب في شؤون الفروسية سعيد بن عيسى العبري،
أن علاقته بالخيل منذ طفولته تشكّلت بالشغف إلى طرح الأسئلة ومن ثم البحث مرورًا بالتجربة،
مؤكدًا أن واقع الخيل أمر يتجاوز الجمال والقوة، كونه ـ وبحسب تعبيره ـ أن هذا الكائن
هو عبارة عن لغة لا تُقرأ بالكلمات، وإنما تُفهم بالملاحظة والصبر والمشاركة.
ويشير العبري المختص
أيضًا في التعامل مع “التأتأة” وصعوبات التواصل ومؤلف موسوعة “خُلقت
لتعدو” التي تشرح تفاصيل عالم الخيل والفروسية، أن التعامل مع الخيل يجب أن يكون
له أثر في الإنسان أيضًا، حيث تحوّل التعامل مع هذا الكائن من هواية يمارسها إلى مدرسة
يتعلم منها، ثم إلى رسالة يحاول أن ينقل أثرها للآخرين.
وفي شأن ما يمنحه
التواصل اليومي بين الإنسان والخيل من هدوء ونقاء ذهني وإعادة ترتيب للذات يقول العبري:
“الخيل تجبر الإنسان على أن يكون حاضرًا في التعامل معها، ومتفاعل مع سياقاتها،
كونها تتعامل معه كما هو في هذه اللحظة. وأعتقد أن أجمل ما تمنحه الخيل للإنسان هو
أنها تعيده إلى ذاته دون ضجيج. تعلمه الصبر، والانتباه، وضبط الانفعال، وفهم لغة الجسد،
والأهم أن تدرك أن هي السيطرة الحقيقية والتي لا تعني فرض القوة عليها، بل امتلاك القدرة
على ضبط النفس. فهي لا تعيد ترتيب المكان من حوله فقط، بل تعمل على إعادة ترتيبه ـ
الإنسان ـ من داخله؛ وكلما فهمها أكثر، بدأ بفهم نفسه أكثر أيضًا”.
ويقف العبري عند
موسوعة “خُلقَت لِتعدو” ليكون الفهمللخيل مبنيًا على المعرفة والسلوك قبل
الرياضة وهنا يشير:الموسوعة جاءت نتيجة سنوات من البحث والملاحظة والتجربةمع عالم الخيل،
وهدفي أن يجد القارئ معرفة تساعده على قراءة الخيل وفهم سلوكها واحتياجاتها وطبيعتها،
قبل أن يطلب منها الأداء. فالخيل ليست أداة للرياضة فقط؛ هي كائن له مشاعر، وذاكرة
واستجابات وسلوكيات. وكلما فهم الإنسان ذلك، أصبح تعامله معها أكثر وعيًا وأقل اعتمادًا
على القوة. وأضاف: “عندما نفهم سبب السلوك قبل أن نحكم عليها، تتغير علاقتنا بها.
قد يرى الإنسان خوفًا أو رفضًا أو توترًا، بينما يكون وراء ذلك سبب بيئي أو جسدي أو
نفسي أو تجربة سابقة. فالمعرفة تجعلنا نتوقف عن سؤال: “كيف أجبرها على الاستجابة؟”
ونبدأ بسؤال أهم: “لماذا لا تستجيب؟ وماذا تحاول أن تخبرني؟” وعندما نفهم
لغة الخيل، لا نحتاج دائمًا إلى زيادة السيطرة عليها؛ لأن الفهم يصنع الثقة، والثقة
تصنع التواصل، والتواصل هو أقرب طريق بين الإنسان والخيل.
ويشير العبري إلى
كتابه “ضواحي الأمل”، الذي ربط من خلاله الخيل وحياة الإنسان؛ وإيجاد مساحة
للتعافي وفي هذا السياق يقول: “في هذا الكتاب لم أنظر إلى الخيل باعتبارها مجرد
وسيلة للفروسية، بل باعتبارها رفيقًا يمكن للإنسان أن يجد معه مساحة مختلفة عن صخب
الحياة.الخيل لا تسألك عن إخفاقاتك، ولا تحاسبك على ماضيك، ولا تطلب منك أن تكون مثاليًا.
أنت تقف أمامها كما أنت، ومع الوقت تبدأ في استعادة شيء فقدته وسط ضغوط الحياة: الهدوء،
والثقة، والشعور بأنك قادر على البدء من جديد.وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يعطيه
الحلول، بقدر ما يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يستعيد نفسه. وهنا تأتي علاقتي بالخيل؛
فهي بالنسبة لي ليست علاجًا سحريًا لكل ألم، لكنها قد تكون مساحة إنسانية تساعد على
الاستقرار والتأمل واستعادة الأمل”.
وأضاف أيضًا: الحياة
الحديثة سريعة جدًا؛ أفكار كثيرة، أصوات كثيرة، ومسؤوليات لا تتوقف. بينما عالم الخيل
يفرض عليك إيقاعًا مختلفًا؛ أن تمشي بهدوء، تلاحظ، تنتظر، وتتعلم أن بعض الأشياء لا
يمكن استعجالها. وعندما تتعامل مع الخيل أو تعتني بها أو تمشي معها، تجد نفسك تدريجيًا
تخرج من ضجيج التفكير إلى حضور اللحظة.ولهذا أحببت الخيل؛ لأنها لا تعطيك دائمًا إجابة
عن الحياة، لكنها تمنحك الهدوء الذي يجعلك قادرًا على البحث عن الإجابة بنفسك.
ولأن الخيل تشعر
بالانفعالات وتستجيب لها بسرعة هنا يشير العبري إلى هذا الأثر الحسي خاصة مع المصابينبطيف
التوحد أثناء التفاعل معها ويقول: عندما نتعامل مع الطفل ـ عمومًا ـ من خلال الخيل،
لا نبدأ بالكلام، وإنما نبدأ ببناء علاقة يشعر فيها الطفل بالأمان. الخيل كائن حساس
للحركة ونبرة الصوت وطريقة الاقتراب منه، وهذا يجعل الطفل أمام تجربة حسية مباشرة يتعلم
من خلالها أن يلاحظ ويعبّر ويتواصل. بالنسبة لبعض الأطفال المصابين بطيف التوحد، قد
يكون التواصل اللفظي تحديًا، لكن هذا لا يعني غياب الرغبة في التواصل. أحيانًا تكون
هناك لغة أخرى؛ نظرة، حركة، لمس، اقتراب، ابتعاد أو حتى هدوء. وهنا يأتي دور الخيل
كوسيط للتواصل؛ فالطفل لا يُطلب منه أن يتحدث أولًا، وإنما يُمنح فرصة لأن يتواصل بطريقته،
ثم نبني على هذه الاستجابة تدريجيًا.
ويبيّن: أن الدفء
والحركة المنتظمة قد يمنحان بعض الأطفال تجربة حسية مريحة، خصوصًا عندما تكون البيئة
هادئة والتفاعل متدرجًا ومناسبًا لاحتياجات الطفل. لكن الاستجابة تختلف من طفل إلى
آخر؛ فما يهدئ طفلًا قد يكون مزعجًا لطفل آخر. لذلك أنا لا أتعامل مع الخيل كحل واحد
لجميع الأطفال، بل أبدأ بفهم الطفل نفسه: ما الذي يثير توتره، ما الذي يمنحه الأمان؟
وكيف يستجيب للمس والحركة والصوت، فالهدف ليس أن نجعل الطفل يتكيف مع الخيل فقط، وإنما
أن نجعل الخيل جزءًا من بيئة آمنة تساعدنا على فهم الطفل وبناء التواصل معه.
وفي سياق ما يمكن
أن يحدث من خلال تعامل الخيل مع والأطفال الذين يعانون من التأتأة أو تأخر النطق وتنظيم
تنفسهم والشعور بالاسترخاء أثناء الكلام هنا يقول: “أنا أنظر إلى الخيل باعتبارها
بيئة يمكن أن تساعد بعض الأطفال على الهدوء وتنظيم الانتباه وبناء الثقة. فعندما يكون
الطفل في بيئة يشعر فيها بالأمان، ويبدأ بالتفاعل مع الخيل من خلال الحركة واللمس والملاحظة،
قد يقل الضغط النفسي المصاحب لمحاولة الكلام. والتنفس جزء مهم من الكلام، لذلك أعمل
على أن يشعر الطفل بإيقاع تنفسه وحركته وصوته دون أن أجعله يشعر بأنه تحت الاختبار.
نحن لا نطارد الكلمة؛ نحن نبني الحالة التي تجعل الطفل أكثر استعدادًا للتواصل”.
وأكد في سياق قوله:
مع تطور التجربة، عملت على تطوير البرنامج التدريبي بحيث لا يكون الاعتماد على الخيل
شرطًا للاستفادة منه، وإنما أصبحت منهجية البرنامج قابلة للتطبيق دون الخيل، بما يتناسب
مع مختلف فئات المجتمع، ويمكن الاستفادة منها من أي مكان في العالم. وكان الهدف من
هذا التطوير هو الوصول إلى شريحة أكبر من المستفيدين، مع الحفاظ على جوهر المنهجية
والأهداف التي يقوم عليها البرنامج.
وبيّن حديثه: أجمل
لحظة هي عندما يكتشف الطفل أن الخيل فهمته دون أن يحتاج إلى جملة طويلة. في تلك اللحظة
تتكون داخله فكرة مهمة جدًا: “أنا أستطيع أن أتواصل، والآخر يمكن أن يفهمني”،
وهذه الثقة قد تكون نقطة انطلاق للكلام، لأن الطفل عندما يتوقف عن الخوف من الخطأ،
يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة، فأنا أؤمن أن أول خطوة في علاج صعوبات التواصل ليست
أن نطلب من الطفل أن يتكلم، وإنما أن نجعله يشعر أولًا بأن صوته ومحاولته وتواصله لها
قيمة.
ويشير العبري إلى
مستقبل رؤيته لاستخدام الفروسية كأداة لبناء الإنسان وتطوير مهاراته الحياتية وهنا
يقول: أرى أن أمام الفروسية مجالًا أوسع بكثير من الرياضة والمنافسة. يمكن أن تكون
جزءًا من منظومة تربوية وإنسانية تساعد على بناء الشخصية وتطوير مهارات التواصل والانضباط
والثقة وتحمل المسؤولية. وأطمح أن تتوسع هذه الرؤية من خلال البحث والتجربة وتوثيق
الحالات، وأن يصبح التعامل مع الخيل قائمًا على فهم الإنسان والخيل معًا، وليس على
المهارة الرياضية وحدها، ورسالتي في مشروعي الإنساني “لِتعدو” بسيطة: لا
أريد أن نعلّم الإنسان كيف يركب الخيل فقط؛ أريد أن نكتشف كيف يمكن للخيل أن تساعد
الإنسان على أن يعرف نفسه، ثم ينطلق بها في حياته.
/العُمانية/ نشرة
الشباب والرياضة/
خميس الصلتي