النشرة البيئية للوكالة الوطنية للإعلام في لبنان

 بيروت في 23 يونيو /قنا/ ها هي البيئة تدفع مجددا ثمن العدوان الإسرائيلي على القرى والمناطق اللبنانية ومن أكثر الأضرار خطورة تلك التي لحقت بالأراضي الزراعية ولا سيما أشجار الزيتون جراء القنابل الفوسفورية التي تعمد جيش العدو إلقاءها لحرق المواسم، ناهيك عن التلوث الناجم عن الغارات التي لا تعد ولا تحصى والتي بثت سمومها في أرجاء الوطن. فجاء هذا التلوث ليزيد ملفا إضافيا على ملفات بيئية كثيرة تحتاج إلى معالجة فورية وحل جذري ومنها أزمتا النفايات والمقالع والكسارات وغيرها من الملفات التي كانت وزارة البيئة تسعى جاهدة الى معالجتها، وكلها توقف بسبب تداعيات العدوان.

منذ توليها مهامها في فبراير 2025، وضعت الدكتورة تمارا الزين وزيرة البيئة اللبنانية ملف التعافي البيئي في صدارة أولويات الوزارة، انطلاقا من قناعة مفادها أن إعادة تأهيل النظم البيئية المتضررة ليست مسألة تقنية فحسب، بل جزء لا يتجزأ من مسار التعافي الوطني وإعادة الإعمار. وخلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، قادت الوزارة سلسلة من المبادرات والإصلاحات التي شملت التقييم العلمي للأضرار البيئية، ووضع خطط التعافي وإدارة الأنقاض، وتعزيز الحوكمة البيئية، وتطوير السياسات المناخية، وتوسيع شبكة المحميات الطبيعية، وإصلاح قطاع النفايات، وإدماج مفاهيم المواطنة البيئية والتربية الخضراء في السياسات العامة.

تأتي هذه الجهود في مواجهة واقع وصفته وزيرة البيئة اللبنانية بأنه “يتجاوز حدود الدمار التقليدي”، فإلى جانب الخسائر البشرية الهائلة، أكدت الدكتورة تمارا الزين، في حديث للوكالة الوطنية للإعلام، أن “لبنان يواجه أنماطا عدة من الاستهداف الاسرائيلي الممنهج، بدءا بإبادة المنازل (Domicide) التي تجلت في تدمير وتضرر مئات آلاف الوحدات السكنية خلال حرب 2023 – 2024، قبل أن تتفاقم مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اللاحقة. وتحدثت عن إبادة حضرية (Urbicide) طالت قرى وبلدات بأكملها عبر استهداف الأحياء السكنية والأسواق والبنى التحتية والمرافق العامة ودور العبادة والمقابر.

ولا يقتصر الأمر على البعد العمراني، إذ أشارت الوزيرة إلى ما وصفته بـ ” الإبادة الثقافية (Ethnocide) نتيجة استهداف مواقع أثرية وتراثية وبيوت تاريخية، في محاولة لطمس الهوية الثقافية لبعض المناطق، إلى جانب إبادة تعليمية (Educide) تجسدت في استهداف المدارس والمؤسسات التربوية”.

أما بيئيا، فاعتبرت أن حجم الأضرار التي أصابت الغابات والأراضي الزراعية والموارد المائية والتربة والنظم البيئية يرقى إلى مستوى الإبادة البيئية (Ecocide)، نظرا لاتساع نطاقها وتأثيراتها طويلة الأمد على الصحة العامة والأمن الغذائي وسبل العيش والموارد الطبيعية.

ولفتت إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على المناطق السكنية أو الزراعية، بل طالت عددا من أهم المواقع الطبيعية المحمية في لبنان، فقد تعرضت ثماني محميات طبيعية مدرجة رسميا لدى وزارة البيئة في محافظتي الجنوب والنبطية لأضرار متفاوتة، وهي رامية وبيت ليف ووادي الحجير ودبل والعباسية وصور وكفرا والنميرية، وأظهرت بيانات الرصد العلمي وخرائط القصف كثافة الاستهداف في محيط هذه المواقع، وما نتج عنه من أضرار في الغطاء النباتي والموائل الطبيعية والتنوع البيولوجي والتوازنات البيئية الحساسة.

واعتبرت أن استهداف هذه المحميات يندرج ضمن نمط أوسع من الاعتداء على الإرث الثقافي والطبيعي والمادي بهدف تحويل الجنوب إلى أرض بلا ذاكرة وفك الارتباط العاطفي والمادي بين المواطنين وأرضهم.

في مواجهة هذا الواقع، كشفت وزيرة البيئة أن الوزارة  أطلقت برنامجا وطنيا شاملا لتقييم الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب، استند إلى عمليات تحقق ميداني وتحاليل علمية شملت مختلف المناطق المتضررة، بهدف بناء قاعدة بيانات دقيقة تسمح بتحديد الأولويات وتوجيه خطط التعافي، لافتة إلى أن الجهود أسفرت عن إعداد أول تقييم وطني متكامل للأثر البيئي للحرب، شكل مرجعا أساسيا لفهم حجم الأضرار وتوجيه الاستجابة الوطنية والدولية، موضحة أن نتائج التقييم أظهرت أن الحرب خلفت أضرارا واسعة طالت النظم البيئية البرية والبحرية والتربة والهواء والموارد الطبيعية، بالإضافة إلى أكثر من ستة عشر مليون طن من الأنقاض المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، كما بينت التقييمات وجود تلوث في بعض مواقع التربة، وتداعيات على جودة الهواء، وأضرار متفاوتة على الغابات والأراضي الزراعية، ما يؤكد أن التعافي البيئي يشكل ركنا أساسيا من عملية التعافي الوطني الشامل.

ولفتت إلى أنه انطلاقا من هذه المعطيات، انتقلت الوزارة إلى مرحلة التخطيط للتعافي البيئي، وأعدت رؤية متكاملة ترتكز على مبادئ إعادة البناء بشكل أفضل، مع دمج الاعتبارات المناخية والحلول القائمة على الطبيعة والإدارة المستدامة للأراضي ضمن برامج إعادة الإعمار.

وشددت على أن ملف الأنقاض يعد من أبرز التحديات البيئية التي فرضتها الحرب، لذلك وضعت الوزارة خارطة طريق وطنية للإدارة المستدامة للأنقاض بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين، تقوم على الفرز وإعادة الاستخدام والتدوير حيثما أمكن، والاستفادة من المواد غير القابلة للاسترداد في إعادة تأهيل المقالع المتدهورة وفق مبادئ الاقتصاد الدائري والمعايير البيئية المعتمدة، كما أعدت الوزارة إجراءات تشغيل قياسية لإدارة الأنقاض بعد الحروب والكوارث، وأصدرت تعميما بيئيا ينظم هذا الملف، بالتوازي مع السماح للبلديات، ضمن شروط محددة، باستخدام كسارات صغيرة لإعادة تدوير الأنقاض لاستخدامها حصرا في أعمال التأهيل والبنى التحتية.

وأوضحت أن إدارة الأنقاض لا تنفصل عن حماية الصحة العامة، لذلك تشمل الإجراءات المعتمدة التحقق من سلامة الأبنية المتضررة، والكشف عن الذخائر غير المنفجرة بالتنسيق مع الجهات المختصة، والتعامل الآمن مع المواد الخطرة، بما فيها الأسبستوس، قبل المباشرة بأي أعمال إزالة أو معالجة.

في موازاة هذه الجهود، تشير وزيرة البيئة اللبنانية إلى أن الوزارة تواصل تنفيذ برامج الرصد البيئي ومراقبة جودة الهواء والتربة والمياه والنظم البيئية، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات المانحة والشركاء الدوليين لتأمين التمويل اللازم لمشاريع التعافي البيئي وفق الأولويات الوطنية.

وأعلنت أن عملية التوثيق العلمي للأضرار البيئية لا تزال مستمرة، بما يضمن قاعدة بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها في التعافي، وفي حماية حقوق لبنان المرتبطة ببيئته وموارده الطبيعية وإرثه البيئي.

إن ننسى فلن ننسى أن لبنان الـ10452 كيلومترا مربعا هو من أغنى بلدان المنطقة بالتنوع البيولوجي، بفضل ما يختزنه من غابات وأحراج وجبال وأراض رطبة ونظم بيئية ساحلية وبحرية، فضلا عن موقعه على أحد أهم مسارات هجرة الطيور بين القارات، ويشكل هذا الإرث الطبيعي والثقافي ركيزة أساسية للتنمية المستدامة وللهوية الوطنية، غير أنه يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة نتيجة الأزمات المتراكمة والآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية التي نتمنى أن تكون الأخيرة، فيعود لبنان كما سمي سابقا “سويسرا الشرق”.