الجزائر في 7 سبتمبر 2026 /العُمانية/ يتتبع الباحث
الدكتور معمر حاج العربي في كتابه “من الخليل إلى تشومسكي”، الصادر عن
دار الدواية للنشر والتوزيع بالجزائر، مسار التفكير في اللغة عبر مراحل تاريخية
مختلفة، بدءًا من جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي وعلماء العربية، وصولًا إلى
الاتجاهات اللسانية الحديثة ونظرية عالم اللسانيات نعوم تشومسكي.
ويسعى الكتاب إلى إبراز حضور عدد من الأسئلة المتعلقة
بطبيعة اللغة وقواعدها ونظامها في التراث اللغوي العربي، والتعريف بأبرز التحولات
التي شهدها علم اللغة الحديث، من خلال مقاربة بعض قضايا التراث العربي في ضوء
اللسانيات الحديثة، دون افتراض التطابق بينهما.
وقال المؤلف في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن
الخليل بن أحمد الفراهيدي أسهم في تأسيس عدد من العلوم اللغوية وتطويرها، مشيرًا
إلى جهوده في النحو والعروض والمعاجم، وإلى ما تضمنه كتاب سيبويه من آراء وأصول
منسوبة إليه.
وأضاف أن معجم “العين” يمثّل محطة بارزة في
تاريخ التأليف المعجمي العربي، موضحًا أن اختياره الخليل نقطة انطلاق للكتاب جاء
بوصفه علامة زمنية وفكرية تبدأ منها الرحلة التي تتتبع عددًا من أعلام الدرس
اللغوي وصولًا إلى تشومسكي.
وأوضح حاج العربي أن التقاطع الذي يبحث عنه الكتاب
بين التراث اللغوي العربي واللسانيات الحديثة يكمن في “الأسئلة الكبرى، لا في
النظريات والمصطلحات”، لافتًا إلى أن الفكر اللغوي العربي تناول قضايا النظام
والعلاقة وانتظام البنية والقاعدة والاطراد والسياق والقرائن والقياس وقدرة اللغة
على إنتاج التراكيب، وهي أسئلة ظلت حاضرة في تاريخ التفكير اللساني اللاحق، وإن
اختلفت مفاهيمها ونماذجها.
وبيّن أن الفكرة الأساسية للكتاب تقوم على أن “استمرارية
السؤال لا تعني استمرارية الجواب”، إذ يمكن أن يلتقي الخليل وتشومسكي في
الانشغال بقضايا النظام والقاعدة والعلاقات اللغوية، مع اختلاف التصورات والمناهج
التي ينطلق منها كل منهما.
وأشار إلى أن الاختلاف بينهما يرتبط بالنسق المعرفي
الذي ينتمي إليه كل منهما؛ إذ تشكلت المعرفة اللغوية لدى الخليل في إطار السماع
والاستقراء والقياس والاحتجاج والتعليل في حين تطورت اللسانيات الحديثة في سياقات
فلسفية وعلمية مختلفة وأنتجت مفاهيم من بينها البنية والنظام والتوزيع والوظيفة
والكفاية والتوليد والتحويل.
وأكد أن المقارنة التي يقدمها الكتاب لا تقوم على
مطابقة المصطلحات والمفاهيم بين التراث واللسانيات الحديثة، وإنما تبحث في أوجه
التقاطع والاختلاف بين طرائق التفكير في اللغة عبر مراحل تاريخية متباعدة.
وعن اختياره عنوان “من الخليل إلى تشومسكي”،
أوضح المؤلف أنه لا يشير إلى انتقال زمني بين عالمين فحسب، وإنما إلى مسافة فكرية
امتدت عبر قرون من التقعيد والوصف والتنظير والتفسير، وشهدت تحولات في مفهوم اللغة
وطبيعة القاعدة وعلاقة البنية بالمعنى وموقع المتكلم والسياق والاستعمال.
وخلص حاج العربي إلى أن الكتاب لا يسعى إلى إثبات سبق
الخليل لتشومسكي، أو اعتبار تشومسكي امتدادًا مباشرًا للخليل، وإنما يرصد تحولات
التفكير اللغوي من التقعيد والوصف إلى التنظير والتفسير، مع استمرار عدد من
الأسئلة الكبرى في تاريخ البحث في اللغة.
/العُمانية/ النشرة الثقافية
ميلود / أمل السعدي