من صمامات النفط إلى الذكاء الاصطناعي.. “أديبك” يروي تحولات قطاع الطاقة خلال 4 عقود

أبوظبي في 26 أكتوبر /وام/ واكب معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول “أديبك”، على مدى أكثر من أربعة عقود، التحولات المتلاحقة في صناعة الطاقة العالمية، وشكل الحدث خطاً موازياً لمسيرة التحول في صناعة الطاقة نفسها، إذ تطور من ملتقى فني متخصص انطلق في أبوظبي عام 1984 لتبادل الخبرات والأوراق العلمية في قطاع النفط والغاز، إلى منصة عالمية تجمع اليوم تحت مظلتها الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتمويل والصناعة وصناع السياسات.

وتستعد أبوظبي لاستضافة “أديبك 2026″، خلال الفترة من 2 إلى 5 نوفمبر المقبل في مركز أدنيك أبوظبي، في محطة جديدة من مسيرة تطور ارتبطت على مدار أكثر من 40 عاماً بالتغيرات التي شهدتها صناعة الطاقة نفسها، سواء في التقنيات المستخدمة أو طبيعة المشاركين أو القضايا التي تتصدر أجندة القطاع.

وبدأت رحلة “أديبك” من فندق إنتركونتيننتال أبوظبي في مايو 1984، في وقت كانت فيه صناعة النفط والغاز الإماراتية لا تزال في مرحلة بناء وتوسيع قدراتها الفنية والبشرية.

واتسمت الدورة الأولى بطابع فني واضح، إذ كان من أهدافها الأساسية تبادل الأوراق الفنية لجمعية مهندسي البترول والخبرات بين العاملين في القطاع، لا سيما الكفاءات الوطنية الشابة، فيما تراوح الحضور في النسخة الأولى، بين ألف وألفي مشارك.

وكانت طبيعة التكنولوجيا المعروضة آنذاك تعكس المرحلة التي تمر بها الصناعة، إذ كانت الصمامات الهوائية والتقنيات الميكانيكية من بين الأدوات المستخدمة في المنشآت النفطية، قبل أن تنتقل الصناعة لاحقاً إلى الأنظمة الهيدروليكية، ثم الرقمية، وصولاً إلى الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن.

وخلال التسعينيات، واصل “أديبك” نموه بالتوازي مع توسع صناعة النفط والغاز في أبوظبي والمنطقة، وتزايد الاهتمام بتقنيات الاستكشاف والإنتاج ورفع كفاءة الحقول وإدارة المكامن والمشروعات البحرية.

وبات الحدث مساحة تجمع المنتجين وشركات الخدمات والمصنعين والمتخصصين، فيما حافظ المؤتمر الفني على دوره في نقل المعرفة وتقديم البحوث والحلول الهندسية الجديدة.

وأصبحت المشاركة الدولية عنصراً متنامياً في هوية “أديبك”، بالتزامن مع تنامي دور أبوظبي في أسواق الطاقة العالمية وتوسع قدراتها في الإنتاج والمعالجة والتكرير والبتروكيماويات.

ودخل “أديبك” مرحلة توسع كبيرة مع بداية الألفية الجديدة، إذ استقطبت دورة عام 2004 نحو 1209 شركات من 54 دولة على مساحة عرض إجمالية بلغت 30 ألف متر مربع، بما عكس انتقاله إلى مستوى مختلف من حيث الحجم والتنوع الدولي.

وفي عام 2006، شهد الحدث طرح خطط لتوسيع نطاقه الدولي، فيما أضيفت أربعة أجنحة دولية جديدة إلى 11 جناحاً شاركت في دورة 2004، لتتسع شبكة الدول والشركات التي تستخدم المعرض بوابة للحضور في سوق الطاقة الإقليمية والعالمية.

وجاء هذا التوسع متزامناً مع تطوير البنية التحتية لصناعة المعارض والمؤتمرات في أبوظبي، بما أتاح للحدث مساحات وقدرات تنظيمية أكبر لمواكبة الطلب المتزايد على المشاركة.

وبحلول عام 2010، كان “أديبك” قد وصل إلى مرحلة جديدة، واستقطبت دورته الرابعة عشرة أكثر من 1500 شركة عارضة، مع توقعات بحضور نحو 40 ألف زائر، إلى جانب 14 جناحاً دولياً.

وناقشت دورة 2010 موضوع توفير الطاقة في عصر منخفض الكربون، إلى جانب تقنيات تعزيز الاستخلاص والسلامة وإدارة مخاطر التسربات النفطية، في مؤشر مبكر إلى اتساع أجندة الحدث خارج المسائل التقليدية المتعلقة بزيادة إنتاج النفط والغاز.

وفي دورة 2012، ارتفع عدد الشركات المشاركة إلى أكثر من 1600 شركة، وبلغت المساحة المخصصة للعرض 38 ألف متر مربع، مع توقعات باستقطاب أكثر من 45500 زائر، فيما تضمن المؤتمر أكثر من 400 عرض وتقرير تقني.

وحملت تلك الدورة عنوان “نمو الطاقة المستدامة.. الناس والمسؤولية والابتكار”، بما يعكس دخول مفاهيم الاستدامة والمسؤولية والابتكار بصورة أوضح إلى قلب الحوار الذي يدور في “أديبك”.

وشهد عام 2013 أحد أهم التحولات في تاريخ “أديبك”، عندما أصبح حدثاً سنوياً بعدما كان يقام كل عامين، وهو ما أتاح له مواكبة التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار بصورة مستمرة.

وسرعان ما انعكس ذلك على حجمه، ففي عام 2014 تجاوز عدد الشركات العارضة 1800 شركة، واستهدف الحدث أكثر من 60 ألف متخصص في قطاع النفط والغاز، بينما اتسعت الموضوعات المطروحة لتشمل الابتكار والقيادة والتكنولوجيا والاستدامة والبحث والتطوير.

وفي النصف الثاني من العقد الماضي، بدأ “أديبك” يعكس اتساع أعمال شركات الطاقة نفسها، فلم تعد صناعة النفط تنظر إلى الاستكشاف والإنتاج بصورة منفصلة عن التكرير والبتروكيماويات والنقل والخدمات والأسواق.

وفي عام 2017، أضيف قطاع الصناعات التحويلية للمرة الأولى إلى البرنامج، بالتزامن مع اتساع استراتيجيات شركات النفط الوطنية عبر سلسلة القيمة، فيما حصر الحدث أكثر من 100 ألف زائر من 135 دولة، بمشاركة 2200 شركة عارضة وأكثر من 10 آلاف مندوب و900 متحدث.

ومع تسارع الثورة الصناعية الرابعة، بدأت الرقمنة تأخذ موقعاً متقدماً على أجندة “أديبك”

وفي 2018، جرى توسيع آفاق البرنامج ليعكس بصورة أكبر التحولات التي تواجه قطاع النفط والغاز ودور التكنولوجيا في صياغة مستقبل الصناعة، قبل أن تحمل دورة 2019 تحولاً أكثر وضوحاً مع إعادة هيكلة المؤتمر الإستراتيجي تحت مفهوم “Oil and Gas 4.0″، في إشارة مباشرة إلى الثورة الصناعية الرابعة وتأثير التقنيات الناشئة والرقمنة في الصناعة.

ووصل عدد المشاركين في دورة 2019 إلى أكثر من 150 ألف شخص من 167 دولة، فيما شاركت 2,200 شركة على مساحة عرض إجمالية بلغت 160 ألف متر مربع.

ومع جائحة “كوفيد-19″، تحولت دورة 2020 إلى صيغة افتراضية، في انعكاس للظروف الاستثنائية التي واجهها العالم وقطاع الطاقة.

وشهدت تلك المرحلة استخدام منصات رقمية وتجارب ثلاثية الأبعاد لعرض تقنيات الطاقة وسلاسل القيمة، بما مثل تحولاً مؤقتاً في طريقة تنظيم الحدث.

ومع العودة بعد الجائحة في 2021، بدأ “أديبك” مرحلة جديدة من توسيع نطاقه خارج المفهوم التقليدي لقطاع النفط والغاز، مع زيادة مشاركة صناع السياسات والجهات الحكومية وقطاعات الصناعة والتكنولوجيا ومؤسسات البحث والتطوير.

شهدت الفترة من 2021 إلى 2024 تحول الحدث إلى مؤتمر يجمع منظومة أوسع تضم الطاقة والتكنولوجيا والصناعة والتصنيع والسلامة، إلى جانب الشركات الناشئة والأكاديميين والأجيال الجديدة.

وفي عام 2023، ومع تصاعد الاهتمام العالمي بالتحول في قطاع الطاقة، أقيم “أديبك” تحت شعار “إزالة الكربون.. أسرع معاً”.

واستقطبت الدورة أكثر من 184 ألف مشارك من 160 دولة وأكثر من 2,200 شركة، إلى جانب أكثر من 40 وزيراً و120 رئيساً تنفيذياً، في مؤشر إلى أن “أديبك” بات منصة تتجاوز عرض المعدات والتكنولوجيا إلى مناقشة القرارات والسياسات التي ترسم مستقبل منظومة الطاقة العالمية.

وشكل عام 2024 محطة رمزية في تاريخ الحدث مع انعقاد الدورة الأربعين تحت شعار “تواصل العقول.. تحويل الطاقة”، مسجلاً أكثر من 205 آلاف مشارك من 172 دولة.

وشهدت تلك الدورة إطلاق منطقة متخصصة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مؤتمر للرقمنة والتكنولوجيا، في تحول يعكس دخول الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية مساندة إلى أحد المحاور المؤثرة في كفاءة عمليات الطاقة والإنتاج وإدارة الانبعاثات.

وتجاوزت قيمة الصفقات التي شهدتها الدورة 10 مليارات دولار، فيما ضم برنامجها 370 جلسة وأكثر من 1,800 متحدث.

وواصلت دورة عام 2025 هذا التحول تحت شعار “طاقة ذكية لتقدم متسارع”، وسجلت مستوى قياسياً بلغ 239709 مشاركين من 172 دولة، بزيادة 17% عن الدورة السابقة.

كما شهد الحدث توسعة منطقة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مناطق متخصصة في الرقمنة وخفض الانبعاثات والكيماويات والحلول منخفضة الكربون، فيما بلغت قيمة الصفقات عبر القطاعات التي شهدها الحدث نحو 46 مليار دولار من خلال 35 ألف صفقة، وقدرت مساهمته الاقتصادية في اقتصاد أبوظبي بنحو 400 مليون دولار.

وتأتي دورة العام الجاري في مرحلة جديدة من تحولات قطاع الطاقة العالمي، تتداخل فيها زيادة الطلب على الطاقة مع التقلبات الجيوسياسية والضغوط على البنية التحتية والتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي.

وتنطلق نسخة 2026 بمشاركة متوقعة لـ 239 ألف زائر يمثلون أكثر من 170 دولة، وأكثر من 2250 شركة عارضة، و1800 متحدث، و30 جناحاً للدول المشاركة.