الشارقة توسع انتشار الثقافة العربية عالمياً عبر الترجمة والمشاركة بمعارض الكتب

الشارقة في 21 مايو/ وام / تحتضن الأرض نحو سبعة آلاف لغة تقدّر اليونسكو أنها منطوقة حول العالم كلٌّ منها تحمل ذاكرة شعب وأسلوب حياة وطريقة في رؤية العالم غير أن الفضاء الرقمي لا يعكس هذا الثراء بالقدر ذاته إذ تُهيمن الإنجليزية على 49.6% من المواقع التي تُعرف لغتها فيما لا تتجاوز حصة العربية 0.6% بحسب بيانات W3Techs مما يجعل إيصال الأدب والثقافة إلى القارئ العالمي رهيناً بقنوات النشر والترجمة والحضور المهني في أسواق الكتاب الدولية.

من هذا الواقع تنطلق مشاركات إمارة الشارقة “ضيف شرف” في معارض الكتاب الدولية بوصفها جسراً ثقافياً فاعلاً إذ توظف هيئة الشارقة للكتاب هذه المشاركات لإيصال الثقافة الإماراتية والعربية إلى لغات وأسواق وفضاءات مهنية جديدة عبر كتب مترجمة وبرامج حوارية ولقاءات ناشرين وأمسيات أدبية وعروض تراثية وتعاون مع جامعات ومؤسسات ثقافية في الدول المضيفة.

وبهذا المعنى يصبح “اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية” الذي تحتفي به اليونسكو في 21 مايو مناسبة لقراءة تجربة الشارقة من زاوية عملية فمن ساو باولو إلى غوادالاخارا ومن بولونيا إلى سيول وسالونيك ووارسو انتقلت الإمارة بالكتاب الإماراتي والعربي إلى قراء وأسواق متعددة وقدمت مشروعها الثقافي في بيئات لغوية مختلفة وربطت حضور الأدب العربي بحركة النشر والترجمة والحقوق حيث تتحدد قدرة الكتاب على العبور من لغة إلى أخرى ومن سوق إلى آخر.

وفي سوق النشر تكشف بيانات نيلسن نيابة عن مؤسسة جائزة بوكر “The Booker Prizes” أن الروايات المترجمة تجد حضوراً لافتاً بين القراء الشباب في المملكة المتحدة حيث اشترى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً نحو ربع الكتب المترجمة عام 2022 بنسبة 24.9% مقارنة بـ21% في عام 2021 وجاءت الفئة العمرية من 13 إلى 24 عاماً في المرتبة الثانية ليشكّل المشترون دون سن 35 عاماً ما يقارب نصف مشتريات الروايات المترجمة بنسبة 48.2%.

وتؤكد هذه الأرقام أن الأجيال الجديدة أكثر استعداداً لاكتشاف الأدب القادم من لغات وثقافات أخرى وهو ما يعزز أهمية الدور الذي تقوم به هيئة الشارقة للكتاب عبر مشاركات الإمارة كضيف شرف في معارض الكتاب الدولية في نقل الأدب الإماراتي والعربي إلى لغات وأسواق جديدة من خلال برامج تجمع الترجمة والنشر والفعاليات الثقافية واللقاءات المهنية.

ففي ساو باولو قدمت الهيئة 40 كتاباً إماراتياً مترجماً إلى البرتغالية وفي بولونيا قدمت 17 ترجمة عربية إيطالية لكتب أطفال إماراتية بينما عرضت الهيئة في معرض غوادالاخارا الدولي للكتاب 66 كتاباً إماراتياً و15 كتاباً عربياً تم ترجمتها إلى اللغة الإسبانية و10 كتب إلى اليونانية في سالونيك وتستعد لتقديم 6 عناوين إلى البولندية خلال مشاركتها في وارسو ما يوسّع حضور الأدب الإماراتي والعربي في أسواق وفضاءات ثقافية وتعليمية جديدة.

وتظهر الصلة المهنية لمشاركات الشارقة الخارجية من خلال حضورها داخل بيئات النشر والحقوق في المعارض نفسها ففي وارسو أكدت هيئة الشارقة للكتاب أن المشاركة تهدف إلى توسيع فرص التعاون بين الناشرين والكتّاب وتعزيز الترجمة بين العربية والبولندية فيما وصف مدير معرض وارسو الدولي للكتاب حضور الشارقة بأنه فرصة لتوسيع الروابط بين مهنيي النشر في الجانبين.

أما في غوادالاخارا فأتاح حضور الشارقة ضمن معرض يضم مركزاً للحقوق شارك فيه 57 وكيلاً أدبياً و75 طاولة اجتماعات مهنية تقديم الأدب الإماراتي والعربي أمام جمهور واسع وأمام ناشرين ووكلاء معنيين بانتقال الكتب إلى لغات وأسواق جديدة.

وتتسع مهمة هيئة الشارقة للكتاب في هذه المشاركات لأنها لا تقدم مؤسسة واحدة بل تنسق حضور منظومة ثقافية إماراتية وعربية متكاملة ففي وارسو تشارك 21 مؤسسة ثقافية ضمن برنامج ضيف الشرف إلى جانب أكثر من 36 كاتباً ومبدعاً من دولة الإمارات العربية المتحدة و15 مشاركاً بولندياً في برنامج يضم 35 فعالية ثقافية و18 عرضاً موسيقياً تراثيا هذه الصيغة تمنح الجمهور صورة واسعة عن المشهد الثقافي الإماراتي من النشر والبحث والتعليم إلى التراث والفنون وكتاب الطفل وتجعل المشاركة أقرب إلى خريطة معرفية مصغرة عن الشارقة ومشروعها الثقافي.

وفي سيول ظهر هذا البعد المؤسسي بوضوح من خلال وفد كبير قادته هيئة الشارقة للكتاب وبرنامج ضم 33 فعالية خلال خمسة أيام شملت ورش عمل وتوقيعات كتب وجلسات حوارية بمشاركة كتّاب إماراتيين وكوريين والأهم أن المشاركة لم تقف عند حدود أيام المعرض فقد أُعلن عن اختيار الشارقة مقراً إقليمياً لمعهد الملك سيجونغ الكوري وهي مؤسسة معنية بنشر اللغة والثقافة الكورية عالمياً هذا المثال يكشف كيف يمكن لمشاركة ثقافية في معرض كتاب أن تفتح علاقة مؤسسية مستمرة وأن يتحول الحوار من لقاء مؤقت إلى تعاون له امتداد بعد إغلاق أبواب المعرض.

وبين ساو باولو وغوادالاخارا وبولونيا وسيول وسالونيك ووارسو لا تتكرر الشارقة بالطريقة نفسها ففي كل مدينة تعيد هيئة الشارقة للكتاب صياغة الحضور بما يناسب الجمهور والسوق واللغة والسياق الثقافي للدولة المضيفة هذه المرونة هي التي تمنح برامج ضيف الشرف قيمتها فهي لا تنقل برنامجاً واحداً من مكان إلى آخر بل تبني لكل محطة لغتها ومساحتها وأسئلتها بما ينسجم مع جوهر اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية القائم على توسيع مساحات التفاهم والتبادل الثقافي بين الشعوب عبر المعرفة واللغة والإبداع.